جلال الدين السيوطي

10

الرحمة في الطب والحكمة

مادة لحم وشحم الكلى والباقي ينزل إلى المثانة فتدفعه الطبيعة بولا وهو البول المعروف . الرابع : هو الغذاء الخالص متى نقى له هذه الفضلات الرديئة فقد خلق اللّه لها خرقا كبيرا في حدبة الكبد من أعلى تمتص الخالص من هذا الغذاء قليلا وتمر به ساعة ثم تنقسم إلى عرقين أحدهما يصعد إلى أعلى البدن وتنفرش عروق كثيرة كبارا وصغارا فيشرب كل واحد بقسطه صغيرا كان أو كبيرا فيكون ذلك مادة اللحم والدم وقوام البدن وثبات الروح فيه إلى الأجل المحتوم ، فإن كان الغذاء معتدلا صحيحا كان منه صحة البدن وتتبخر منه الطبيعة بخارا صحيحا إلى القلب فيصعد ذلك البخار إلى الدماغ وإلى جميع البدن بصحة البدن ، فلا يزال صحيحا وإن زاد بعض الأخلاط وغلب كثرة فهو ضده حصلت علّة المرض من زيادة تلك الطبيعة ونحن نذكره على الانفراد إن شاء اللّه تعالى . زيادة خلط الصفراء : إذا أكثر الإنسان من أكل الأغذية الصفراوية الحارة اليابسة كالعسل والثوم ولحم الكبش ونحو ذلك بخّرت الطّبيعة من الجوف إلى الدماغ بخارا صفراويا غير معتدل فيحصل منه صداع في الرأس وشقيقة وقلة النوم وشدّة قبض العروق وحرارة اللمس ، فإن عدله الإنسان بضمد الأصداع وأكل البارد الرطب واجتناب الحار اليابس اعتدل سريعا ، وإن تساهل حتى كثر وازداد أدّى ذلك إلى أمراض خطرة عظيمة : كالحمرة والحرارة واليرقان الأصفر والأورام الصلبة وحمى الغبّ وهي التي تنوب يوما وتغيب يوما ، فإذا ظهر أحد هذه الأمراض فيحتاج حينئذ إلى مسهل الصفراء وسنذكره إن شاء اللّه تعالى . زيادة خلط الدم : إذا أكثر الإنسان من الأدوية الدموية الحارة الرطبة كالطبائخ الدسمة والحلوى ونحو ذلك هاجت الطبيعة في البدن بكثرة الدم فيبخر بخارا حارا رطبا إلى الدماغ فيقع الصداع وعظم العروق وغليان الحرارة وانطباخ البدن وفترة الحواس ، فإن قطع ذلك بضمد الأصداغ وشرب الخل والرمان الحامض وأكل القوابض الحامضة كالمزورات ونحوها وقع الاعتدال وصحة البدن ، وإن تساهل الإنسان وأكثر من ذلك وقع في أمراض خطرة كغليان الدم وحمرة العينين والرمد والجدري والدمامل والأورام الرخوة فيحتاج حينئذ إلى الفصد والحجامة وسنذكره إن شاء اللّه تعالى . زيادة خلط البلغم : إذا أكثر الإنسان من الأغذية البلغمية كالألبان والفواكه ، وكل بارد رطب بخرت الطبيعة من البدن إلى الدماغ بخارا باردا رطبا فتقع في الجسم ورخاوة في المفاصل وثقل في الحواس فيبدو مرض البلغم ، فإن قطع ذلك بما يعدل كالعسل والزنجبيل والفلفل ، وكل حار يابس لطيف وقع الاعتدال في الصحة ، وإن وقع التساهل في ذلك زاد هذا الخلط وصار إلى أمراض عسرة البرء مزمنة كالبرص والفالج والسكتة والحمى التي تطبق سبعة أيام بغير حرارة ثم تهيج بحرارة عظيمة من الجوف إلى الدماغ وإلى جميع البدن وهو الجرب المعروف بالمسع فحينئذ إمّا الخلاص وإمّا الهلاك وأكثر